رسام ومهندس: قصة حب بين عالمين
حيث تتصادم العوالم وتولد الشرارة
وصل آدم إلى قرية "ألوان" في سيارته السوداء اللامعة، التي بدت كجسم فضائي هبط من عالم آخر وسط الطرق الترابية الملتوية. كانت الأضواء الساطعة للمدينة لا تزال تلتصق بعينيه، وأذناه لم تتكيفا بعد مع الصمت الذي كاد يكون مطلقًا، يقطعه فقط خرير النهر وزقزقة العصافير. كان يتوقع أن يجد قرية ناعسة، بسيطة إلى حد الملل، مكانًا يستلهم منه بعض الأفكار المحلية لمشروعه، ثم يعود إلى عالمه المتحضر. لكن ما وجده كان شيئًا آخر تمامًا، شيئًا لم يكن مستعدًا له على الإطلاق.
بعد أن استقر في نزل صغير ذي طابع ريفي، بدأ آدم يتجول في القرية بحثًا عن الإلهام. كان يتتبع خطواته على الطريق الترابي، يشعر بالتراب يلتصق بحذائه المصقول، وعبق الطبيعة يملأ رئتيه بدلاً من عوادم السيارات. استمع إلى حديث السكان المحليين، الذين نظروا إليه بعيون فضولية ولكن ودودة. سأل أحدهم عن مكان يشتهر بفنه أو حرفه، فأشار العجوز إليه نحو زقاق ضيق، قائلاً: "ابحث عن ورشة ليلى، ستجد فيها روح قريتنا".
صوته الهادئ، الذي كان يتدرب على إعطاء الأوامر في مواقع البناء الصاخبة، تحول إلى همس وهو يسأل عن ورشة "ليلى". وجدها أخيرًا، بابًا خشبيًا قديمًا عليه بقع من الألوان. ترددت يده قبل أن يدق الباب. عندما فتحت، كانت ليلى منهمكة في عملها، وقد تلطخت أصابعها ووجنتيها ببعض الألوان الزيتية. كانت تعمل على لوحة ضخمة تصور سوق القرية الأسبوعي، التفاصيل الدقيقة للأوجه والسلع كانت تنبض بالحياة تحت لمساتها السحرية. رفعت رأسها عندما سمعت حركة، فارتسمت ابتسامة خجولة على وجهها الملون، ابتسامة سرعان ما تلاشت عندما لاحظت أناقته الغريبة عن القرية.
"هل يمكنني المساعدة؟" سألت ليلى بصوت رقيق، وقد لاحظت عينيه اللامعتين التي تجول في أنحاء ورشتها بفضول ممزوج بالإعجاب.
"أنا آدم، مهندس معماري. أعمل على مشروع المنتجع الجديد هنا." قال آدم، وهو ينظر حوله بذهول، "أبحث عن مكان يمكنني من خلاله استلهام تصاميمي. لم أكن أتصور أنني سأجد هذا الكم من الفن هنا." لم يكن يتوقع أن يجد هذه اللمسة الفنية العميقة في قرية صغيرة، وكانت الدهشة بادية على وجهه.
بدأت محادثة خجولة بينهما، تحولت ببطء إلى حديث ممتد عن الفن، عن الطبيعة، وعن الرؤى المختلفة للحياة. آدم، الذي اعتاد على التعامل مع الأرقام والمخططات الهندسية الجافة، وجد نفسه مفتونًا بعمق ليلى وبطريقتها البسيطة والعفوية في رؤية العالم. كانت تتحدث عن الألوان وكأنها كائنات حية، وعن ضوء الشمس وكأنه فرشاة إلهية. ليلى، التي كانت تتوقع أن يكون المهندس القادم من المدينة شخصًا متغطرسًا أو متكبرًا، وجدت في آدم شغفًا فكريًا لم تعهده من قبل، وشغفًا لا يقل عن شغفها بالفن، وإن كان موجهًا نحو فن مختلف تمامًا.
قضى آدم الأيام التالية في القرية، تحت ذريعة البحث عن الإلهام لمشروعه. كان يزور ليلى في ورشتها كل يوم، يشاهدها وهي ترسم، يستمع إلى قصصها عن القرية وناسها، عن الأساطير القديمة التي ترويها الجدات، وعن الحكمة الكامنة في بساطة العيش. بدأت ليلى تراه ليس فقط كمهندس قادم من المدينة، بل كشخص يحمل روحًا فنية عميقة، وإن كانت مختلفة عن روحها. بدأت ألوان لوحاتها تأخذ منحى جديدًا، يمزج بين الألوان الطبيعية الدافئة للقرية وبعض الخطوط الهندسية الحادة التي بدأ آدم يضيفها في حديثهما. كانا عالمين يتصادمان، لكن بدلاً من التحطم، كانا يولدين شرارة، شرارة بدايتها لم تتعد الإعجاب، لكنها سرعان ما توهجت لتصبح بداية لشيء أعمق بكثير.